السيد الطباطبائي

35

تفسير الميزان

صدقي في دعواي إذا خاصموني انى أخاف أن يكذبوني فلا أستطيع بيان صدق دعواي . قوله تعالى : ( قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) شد عضده بأخيه كناية عن تقويته به ، وعدم الوصول إليهما كناية عن عدم التسلط عليهما بالقتل ونحوه كأن الطائفتين يتسابقان وإحداهما متقدمة دائما والأخرى لا تدركهم بالوصول إليهم فضلا أن يسبقوهم . والمعنى : قال سنقويك ونعينك بأخيك هارون ونجعل لكما سلطة وغلبة عليهم فلا يتسلطون عليكما بسبب آياتنا التي نظهر كما بها . ثم قال : ( أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) وهو بيان لقوله : ( ونجعل لكما سلطانا ) الخ ، يوضح أن هذا السلطان يشملهما ومن اتبعهما من الناس . وقد ظهر بذلك أن السلطان بمعنى القهر والغلبة وقيل : هو بمعنى الحجة والأولى حينئذ أن يكون قوله : ( بآياتنا ) متعلقا بقوله : ( الغالبون ) لا بقوله : : ( فلا يصلون اليكما ) وقد ذكروا في الآية وجوها أخر لا جدوى في التعرض لها . قوله تعالى : ( فلما جاءهم موسى بآياتنا قالوا ما هذا الا سحر مفترى ) الخ ، أي سحر موصوف بأنه مفترى والمفترى اسم مفعول بمعنى المختلق أو مصدر ميمي وصف به السحر مبالغة . والإشارة في قوله : ( ما هذا الا سحر مفترى ) إلى ما جاء به من الآيات أي ليس ما جاء به من الخوارق الا سحرا مختلقا افتعله فنسبه إلى الله كذبا . والإشارة في قوله : ( وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) إلى ما جاء به من الدعوة وأقام عليها حجة الآيات ، وأما احتمال أن يراد بها الإشارة إلى الآيات فلا يلائمه تكرار اسم الإشارة على أنهم كانوا يدعون أنهم سيأتون بمثلها كما حكى الله عن فرعون في قوله : ( فلنأتينك بسحر مثله ) طه : 58 ، على أن عدم معهودية السحر وعدم مسبوقيته بالمثل لا ينفعهم شيئا حتى يدعوه . فالمعنى : أن ما جاء به موسى دين مبتدع لم ينقل عن آبائنا الأولين أنهم اتخذوه في وقت من الأوقات ، ويناسبه ما حكى في الآية التالية من قول موسى : ( ربى أعلم بمن جاء بالهدى ) الخ .